الخطيب الشربيني
441
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ومغاربها ، فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء ، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ، فمرّ النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو وأصحابه بنخلة قاصدين سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا له قالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء » « 1 » . وهل هذا الاستماع هو المذكور في الأحقاف أو غيره ؟ قال أبو حيان : المشهور أنه هو . وقيل : غيره ، والجنّ الذين أتوه جنّ نصيبين والذين أتوه بنخلة جنّ نينوى ، والسورة التي استمعوها قال عكرمة العلق ، وقيل : الرحمن ، ولم يذكر هنا ولا في الأحقاف أنه رآهم . وعن ابن مسعود أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أمرت أن أتلو القرآن على الجنّ ، فمن يذهب ؟ فسكتوا ثم قال الثانية ، فسكتوا ثم قال الثالثة ، فقلت : أنا أذهب معك يا رسول الله . قال : فانطلق حتى جاء الحجون عند شعب بن أبي ذئب خط عليّ خطا فقال : لا تجاوزه ثم مضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل كأنهم رجال الزط - قال ابن الأثير في النهاية : الزط قوم من السودان والهنود ، وكأنّ وجوههم المكاكي ، يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفها حتى غشوه - فغاب عن بصري فقمت فأومأ إليّ بيده أن اجلس ثم تلا القرآن فلم يزل صوته يرتفع ولصقوا بالأرض حتى صرت لا أراهم » « 2 » . وفي رواية أخرى « قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من أنت ؟ قال : أنا نبي . قالوا : فمن يشهد لك على ذلك ، فقال : هذه الشجرة تعالي يا شجرة ، فجاءت تجرّ عروقها ، لها قعاقع حتى انتصبت بين يديه ، فقال : على ماذا تشهدين فيّ ؟ قالت : أشهد أنك رسول الله ، قال : اذهبي ، فرجعت كما جاءت حتى صارت كما كانت . قال ابن مسعود : فلما عاد إليّ قال : أردت أن تأتيني قلت : نعم يا رسول الله . قال : ما كان ذلك لك هؤلاء الجنّ أتوا يستمعون القرآن ثم ولوا إلى قومهم منذرين فسألوني الزاد فزوّدتهم العظم والبعر فلا يستطيبن - أي يستنجي - أحدكم بعظم ولا بعر » « 3 » وفي رواية : « أنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ وضع رأسه على حجر ابن مسعود فرقد ثم استيقظ ، فقال : هل من وضوء ؟ قال : لا إلا أنّ معي إداوة نبيذ فقال : هل هو إلا تمر وماء فتوضأ منه » « 4 » . قال الرازي : وطريق الجمع بين رواية ابن عباس ورواية ابن مسعود من وجوه : أحدها : لعل ما ذكره ابن عباس وقع أوّلا ، فأوحى الله تعالى إليه بهذه السورة ، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك كما روي عن ابن مسعود أي فالواقعة متعدّدة . ثانيها : أنها واقعة واحدة إلا أنه صلى اللّه عليه وسلم ما رآهم ولا عرف ماذا قالوا ولا أيّ شيء فعلوا ، فالله تعالى أوحى إليه أنه كان كذا وكذا وفعلوا كذا وكذا . ثالثها : أنها كانت واحدة وأنه صلى اللّه عليه وسلم رآهم وسمع كلامهم وهم آمنوا به ثم رجعوا إلى قومهم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان حديث 773 ، ومسلم في الصلاة حديث 449 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3323 . ( 2 ) أخرجه بنحوه الترمذي في الأدب باب 76 ، والدارمي في المقدمة باب 2 ، وأحمد في المسند 1 / 399 ، 455 ، 458 . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 458 ، 459 . ( 4 ) أخرجه البغوي في تفسيره 5 / 271 ، والقرطبي في تفسيره 19 / 5 .